السيد علي الحسيني الميلاني

200

شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة

وأمّا دعوى الشيعة أنه خرج فعَزَله ودفعه عن موضعه وأنكر تقديمه وأعظمه فمن جنس التُّرَهات والأماني الكاذبة ، لأن مثل هذا لو كان لعلمناه ضرورةً ، كما علمنا أن أبا بكر تقدم ضرورة ، وإنما اخْتُلِفَ في أن أبا بكر صلّى بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم أو صلّى به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة واحدة ذُكر ذلك فيها ، وصلّى بهم بقية أيام مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وروى الثّبْتُ الثقات أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما من نبي يموت حتى يؤمه رجل من قومه » ; وأن أبا بكر أمَّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا هو الذي عناه أبو بكر بقوله : « وليتُكم ولست بخيركم ; إني وليتكم الصلاة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حاضر » ; ولعمري إنه لا يجوز أن يكون خير قوم فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلا مُعْتَبَر في هذا الأمر العظيم بتلفيق المخالفين وتمنيهم الأباطيل وتلُّقهِم بروايات تَرِد خاصة منهم ولهم لا يعلمها غيرهم . على أنه لو يعلم جميع هذا من حاله ، ولم يتقدّم له شيء مما ذكرناه من فضائله ومناقبه ، لكان ما ظهر منه بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من العلم والفضل والشدة في القول والفعل وتحصيل ما ذهب على غيره ، دِلالةً على اجتماع خلال الفضل والإمامة فيه ، بل لو لم يدلّ على ذلك من أمره إلاّ ما ظهر منه من التثقيف والتقدّم والتشدّد وسد الخلل وقَمْعِ الرِّدَّة وأهلها في أيام نظره ، لكان في ذلك مَقْنَعٌ لمن وُفِّقَ لرشده . فأوّل ما ظهر من فضله وتسديد رأيه : إعلام الناس موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكفُّه عمر وغيره ممن تشتتت آراؤهم في موته وفجِئَتْهم المصيبة بموته ، وما كان من قوله وفعله في ذلك ، وقالت عائشة وغيرها من الصحابة : « إن الناس أُفْحِمُوا ودَهشوا حيث ارتفعت الرَّنَّةُ وَسجَّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والملائكةُ بثوبه وذَهِلَ الرجال ، فكانوا كأجرام انتُخِبَتْ منها الأرواح وحولهم أطواد من الملأ ، فكذّب بعضهم بموته ، وأُخْرِسَ بعضهم فما تكلّم إلاّ بعد الغد ، وخَلَّطَ آخرون ولاثوا الكلام بغير بيان وبقي آخرون معهم عقولهم ، فكان عمر ممن كذب بموته وعليّ في من أُقْعِدَ ،